ابن أبي الحديد
26
شرح نهج البلاغة
قال : ثم قال للحارث وجندب : ارجعا فليس بيني وبينكم إلا السيف ، فرجعا وأقبل إلى العراق في ستين ألفا ، واستخلف على الشام الضحاك بن قيس الفهري والحسن مقيم بالكوفة ، لم يشخص حتى بلغه أن معاوية قد عبر جسر منبج ، فوجه حجر بن عدي يأمر العمال بالاحتراس ، ويذب الناس فسارعوا فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثنى عشر ألفا ، فنزل دير عبد الرحمن ، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب ، وأمر قيس بن سعد بالمسير ، وودعه وأوصاه ، فأخذ على الفرات وقرى الفلوجة ، ثم إلى مسكن . وارتحل الحسن عليه السلام متوجها نحو المدائن ، فأتى ساباط فأقام بها أياما ، فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس ، فقال : أيها الناس ، إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت ، وإني والله ما أصبحت محتملا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب ، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والامن ، وصلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة ، والخوف والتباغض والعداوة ، وإن عليا أبى كان يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية ، فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر ( 1 ) عن كواهلها كالحنظل . ثم نزل . فقال الناس : ما قال هذا القول إلا وهو خالع نفسه ومسلم الامر لمعاوية فثاروا به فقطعوا كلامه ، وانتهبوا متاعه ، وانتزعوا مطرفا كان عليه ، وأخذوا جارية كانت معه ، واختلف الناس فصارت طائفة معه ، وأكثرهم عليه ، فقال : اللهم أنت المستعان ، وأمر بالرحيل ، فارتحل الناس ، وأتاه رجل بفرس ، فركبه وأطاف به بعض أصحابه ، فمنعوا الناس عنه وساروا ، فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط ، فأقام به ، فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه ، وطعنه في فخذه بالمعول ( 2 ) طعنة كادت تصل إلى العظم ، فغشي عليه وابتدره أصحابه ، فسبق إليه عبيد الله الطائي ، فصرع سنانا وأخذ ظبيان بن عمارة المعول
--> ( 1 ) تندر : تقطع . ( 2 ) المعول : حديدة ينقر بها الصخر .